الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
246
أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )
في مباحث بيع العنب ممّن يعمله خمرا ، من أنّ القصد في أمثال المقام قهري ، وكيف لا يقصد الغشّ مع كون اللبن ممزوجا بالماء ، وهو يعلم وغيره لا يعلم به . وإن شئت قلت : ظاهر عرض كلّ متاع إلى المشتري كونه سليما ، وهذا الظاهر قائم مقام البيان من بعض الجهات ، فلو لم يبيّن كان غاشّا ، ومنه يظهر الإشكال فيما حكاه عن العلّامة أيضا رحمه اللّه ، فتأمّل . الثّاني : هل يختصّ الحكم بالبيع كما هو ظاهر كثير من روايات الباب ، أو يجري في غيره أيضا ؟ . الظاهر جريانه في جميع المعاوضات ، لإطلاق الأدلّة وعموم الملاك ، وأمّا في مثل الهبة والعارية والهدية وأشباهها فلا ، فلو مزج اللبن بالماء ثمّ وهبه أو استضاف قوما بشيء ممزوج بغيره ممّا هو حلال لم يكن حراما بلا إشكال ، كذا لو خلط الجيّد من الحنطة بالردئ ، ثمّ أنفقه على الفقراء وشبه ذلك . والعلّة فيها - مضافا إلى انصراف الأدلّة إلى المعاوضات - إنّه ليس في موردها ظهور للفعل مثلا في كون الموهوب سليما من كلّ عيب ، فليس خيانة وخديعة . الثّالث : في حكم المعاملة المغشوشة قد يقال ببطلان هذه المعاملة لأمور : 1 - ما ذكره جامع المقاصد من أنّ القصد تعلّق بما هو خالص عن الغشّ ، فما قصده لم يقع وما وقع لم يقصد ، وفيه : أنّه جار في بيع المعيب ، وموارد تخلّف الوصف والشرط ، ولازمه فساد الجميع ، مع أنّه ليس كذلك ، وسيأتي حلّ المسألة إن شاء اللّه . 2 - أنّه ورد النهي عن هذا البيع في قوله « حتّى لا يباع شيء فيه غشّ » « 1 » الذي ظاهره الفساد . ولذا قطعه هو عليه السّلام بنصفين وألقاه في البالوعة . وفيه : مضافا إلى ضعف سنده ، إنّه كان في الدراهم المغشوشة ، وهي من قبيل ما ليس له منفعة محلّلة كآلات القمار ، فهو خارج عمّا نحن فيه ، وقد عرفت الكلام فيه سابقا . 3 - إنّ النهي عن الغشّ دليل على فساد المعاملة ، لاتّحادهما ( اتّحاد الغشّ والمعاملة ) .
--> ( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 12 ، ص 209 ، الباب 86 ، من أبواب ما يكتسب به ، ح 5 .